الشيخ عبد الغني النابلسي
113
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
وكانا عقبيين بدريّين « 1 » ، فقيل لهما أرأيتما ما يقول الناس في هذه الصّخرة أحق هو فنأخذ به أو هو شيء أصله من أهل الكتاب فندعه ، فقالا كلاهما : سبحان اللّه ومن يشكّ في أمرها ، إن اللّه عزّ وجلّ لما استوى قال لصخرة بيت المقدس هذا مقامي وموضع عرشي يوم القيامة ومحشر عبادي ، وهذا موضع جنّتي عن يمينها وموضع ناري عن يسارها ، / وفيه أنصب ميزاني أمامها ، وأنا اللّه ديّان يوم الدّين ، ثم استوي إلى عليين . وعن عبد الرحمن بن منصور قال سمعت أبي يقول ، قدم مقاتل بن سليمان إلى بيت المقدس وجلس عند باب الصّخرة القبليّ واجتمعنا إليه ، خلق كثير من الناس نكتب عنه ونسمع منه ، فأقبل عليه بدويّ يطأ الأرض بنعلين على البلاط وطئا شديدا ، فسمعه فغمّه ذلك وقال لمن حوله انفرجوا عنّي ، فانفرج النّاس عنه ، وأهوى بيده يشير إليه ويزوره ويقول أيها الواطىء ارفق بوطئك ، فوالذي نفس مقاتل بيده إنّما تطأ على أجاجين الجنّة ، وأمّا هذا الذي عليه الحائط كلّه مديرا ، أو قال السّور مديرا ، ما فيه موضع شبر إلا وصلّى عليه نبيّ مرسل أو ملك مقرّب ، انتهى . والأجاجين بالجيمين ما يحوط على الأشجار شبه الأحواض ، وهي في الأصل جمع أجّانة بالتشديد ، إناء تغسل فيه الثياب ، ذكره في المصباح المنير . قلت : والذي ينبغي أن لا يدخل أحد بالنّعلين إلى المسجد كلّه مسجد الصّخرة وغيره ، وإن كان الوارد هنا عن مقاتل ، إنما هو في مسجد الصّخرة المرتفع الذي يصعد إليه بالدّرج وحده ، فإن الفضيلة الواردة للمسجد كلّه كما يؤيّده آخر كلام مقاتل رحمه اللّه تعالى . وقد أخبرونا أنه وردت الأوامر السّلطانية بالنّهي عن المشي بالنعلين في المسجد كلّه ، وتكلّفوا ذلك مدة من الزمان ، ثم تركوه لما يجدون في ذلك من الحرج ، خصوصا في زمن الشتاء ، وقد رأيناهم جعلوا تختا طويلا من الخشب
--> ( 1 ) شهدا العقبة وغزوة بدر .